طاولة المطبخ.
كان المطبخ جميلًا جدًا، وواسعًا، ويوجد في منتصفه طاولة صغيرة مستطيلة الشكل، وحولها أربعة كراسٍ خشبية صغيرة. أجلس أنا على أحدها، وأحدق في الكرسي الفارغ أمامي. يداي موضوعتان على الطاولة، نظرت إليهما كما لو كانتا غرضين غريبين، شيئًا قادمًا من الفضاء الخارجي. ولسبب غير واضح تمامًا، تذكرت آخر مرة أمسكت يداي بيدي زوجتي، ولم أفلح في تذكر متى كان ذلك. إن عقلي في الآونة الأخيرة صار يفشل في ترتيب الأحداث ترتيبًا زمنيًا صحيحًا، لذلك صارت الذكريات تسبح في رأسي دون أن أعرف بالضبط متى حدثت وماذا حدث أولًا. تكون لديّ فكرة هلامية عن ترتيبها داخل الجدول الزمني، أما لو حاولت تحديد وقتها بدقة، يتوقف رأسي عن العمل ويصيبني صداع شديد، تمامًا كما لو كنت أتعامل مع كمبيوتر قديم؛ حين أطلب منه عملية أعقد من قدرته، فإنه يتجمد، ثم يتوقف عن العمل.
نظرت من النافذة المجاورة لي، ورأيت أضواء المدينة مبهرة. الناس لا ينامون، هذه هي الفكرة التي طرأت على عقلي. الناس لا ينامون. المدينة تظل مستيقظة طيلة الوقت. ولكنه، ولسبب ما، كان مشهدًا حميميًا لقلبي، ربما لأنه أشعرني بأنه في أية لحظة، في أية ليلة، لو ضاق عليّ منزلي فسوف أجد في الشوارع المزدحمة ملاذًا من الأفكار والضوضاء التي تملأ رأسي. وأشعرني ذلك بطمأنينة شديدة غير مفهومة.
انتبهت لصوت صديقتي العشرينية وهي تنهي مكالمتها الهاتفية في مدخل الشقة ثم تعود للمطبخ من جديد. ستعود لترى رجلًا ثلاثينيًا ضخم الكتفين، مقدمة شعره قد انسحبت كثيرًا، لذلك يُبقي رأسه حليقًا، وله لحية كثة تغطي رقبته تقريبًا، وتحت عينيه سواد بسبب قلة ساعات النوم. وكنت أرتدي قميصًا أسود اللون قمت بثني ذراعيه مبرزًا ساعديّ، وأرتدي خاتم زواجي في بنصري الأيسر، وخاتمًا بحجر كريم أسود في سبابتي اليسرى، كان هديةً من صديق قديم عرفته في الجيش ولم أحادثه بعدها، غير أنه في آخر لقاء لنا قبل سفره لفرنسا لاستكمال دراسته التي توقفت بسبب الجيش، أعطاني إياه وأخبرني أنه حجر كريم حقيقي، وأنه يجلب الحظ الجيد للرجل المناسب، وأنني رجل مناسب، وطلب مني أن أحتفظ به وألا أفرط فيه مهما حدث.
خرجت من أفكاري وهي تدخل المطبخ. وكانت جميلة جدًا، ذات جسد يميل للنحافة دون فقد أي شيء من مفاتنها الأنثوية. كانت ترتدي بلوزة بكمين قصيرين لونها أبيض، وبنطالًا جينز أزرق ممسوحًا، وتمشي حافية القدمين كما أخبرتني عن حبها لذلك، إذ يشعرها بالأمان لسبب غير واضح.
هززت رأسي يمينًا ويسارًا وكأنني أخبرها أنني لا أفكر بشيء معين، ولكني لم أتفوه بكلمة. لم تبدُ متعجبةً من سكوتي، وإنما جلست بهدوء، ونظرت لي في عينيّ، ثم بدأت تخلع حمالة صدرها. مدت يدها لظهرها وقامت بفكها، ثم مدت يدها وأنزلتها من فوق كتفها الأيسر، ثم كتفها الأيمن، ثم من أسفل البلوزة قامت بسحبها، ثم وضعتها أمامي على الطاولة. فعلت كل ذلك بهدوء شديد كأنه شيء عادي، وخلال كل ذلك، لم تفارق عينها عينيّ، كانت تنظر لي نظرة تحدٍّ ربما، وإن كانت في الحقيقة تبدو كنظرة بريئة أكثر من اللازم.
كانت حمالة صدر لونها أبيض، وليس بها شيء مميز، مجرد حمالة صدر عادية قد تراها في أي محل لانجيري متوسط الجودة وأنت تتجول بسيارتك في منتصف البلد، وإن كنت أتوقع من خلال معرفتي بها، أن حمالة الصدر تلك قد تساوي نصف مرتب موظف حكومي. ورغم عادية شكلها، إلا أنه كان هنالك سحر شديد في الطريقة السلسة التي خلعتها بها، وسحر مضاعف في وضعها أمامي. لقد كانت دعوةً مفتوحةً منها، دعوةً مفتوحةً للمجهول: للجنة، أو للجحيم.
لم أر صديقتي العشرينية منذ شهور، ولذلك فحين هاتفتني وأخبرتني أنها تريد أن تراني، تعجبت قليلًا. أما الآن فصرت لا أعرف بالضبط ما الذي يحدث، ولكنني كنت أعرف على الأقل ما الذي لن يحدث.
“أنت تعرفين أنني لم أعد ذلك الشخص. لم أعد الشخص الذي يزني، أو يخون. لقد قطعت وعدًا لم، قسمًا ملزمًا، وأنا لم أعد الشخص الذي كان يحنث بالقسم أو يخرق الوعد بعد الآن. لقد تغيرت.”
“أعرف. ولكن لو لم يحدث إيلاج، فإنه ليس زنا. لو كان هذا ما تخشاه فلا تلجني إذن. وأيضًا، م لم تعد موجودة، أليس كذلك؟ لن تعتبر تلك خيانة لو لم يكن هنالك شخص تلتزم تجاهه بالفعل.”
إنها جميلة.
لديك انتصاب الآن، أليس كذلك؟
سألتني من جديد بطريقة تشبه كما لو كانت تسألني عن فاتورة الغاز.
لم أرد عليها. ابتسمت وقالت: هل على الأقل ستدعي أنك لا ترى حلمتي النافرتين؟
أخذت حمالة صدرها بين يدي، نظرت للنافذة ومددت يدي بحمالة الصدر لها قائلًا: أرجوكِ، لقد قلتِ إن الأمر مهم. لو كان كل ما في الأمر هو محاولةٌ لممارسة الجنس فلا أظن أن بقائي هنا له فائدة. ومناقشة صفاتي الشخصية وماضيّ ليس شيئًا أحب فعله بشكل عشوائي، والأهم، ليس شيئًا أحب فعله بشكل عشوائي في الواحدة بعد منتصف الليل مع إحدى صديقاتي. (إحدى صديقاتي المهووسات بالجنس. فكرت).
نظرت في عيني لدقيقة كاملة، لم أستطع أن أحدد هل كانت نظرة تحدٍّ أم استعطاف، واستمرت كذلك حتى أشاحت ببصرها ومدت يدها والتقطت حمالة الصدر ووضعتها جانبًا. تنهدت ثم قالت: لا بأس، إنما كان ينبغي عليّ المحاولة على كل حال. كيف حالك؟
أنا بخير، ولكنني أتساءل لماذا حدثتني في الهاتف وقلتِ إن الأمر عاجل.
لأنه عاجل. الوحدة الإنسانية في مجتمع مليء بالبشر والحاجة للحديث مع صديق، ذلك شيء عاجل. قالت ذلك وهي تعدل خصلة رمادية من شعرها. لطالما أردت سؤالها هل صبغتها أم أنها شيء جيني. كانت خصلةً جذابةً جدًا على كل حال.
لا تخبريني أنك جعلتني آتي لمنزلك في هذه الساعة لأنك فقط تشعرين بالوحدة!
ولأنني رغبت في الحديث أيضًا، وفي أن تداعبني كذلك. ولكني فقدت الأمل في ذلك، لذا سأكتفي بالحديث.
كلي آذان صاغية. ولكن يومي كان مرهقًا جدًا، لذا فلن أستمر كثيرًا على الأغلب. قلت ذلك وأنا أتذكر الكم الهائل من العمل الذي كان مطلوبًا مني اليوم، وأنني تقريبًا لم أنم سوى ساعتين، وشربت أطنانًا من القهوة والسجائر. وآخر شيء كان ينقصني هو تصرفاتها الغريبة.
لا مشكلة. المهم، هل سمعت من قبل عن نصل أوكام؟
أجل، ولكن لا أتذكر بالضبط ماذا كان.
كان لديّ صديق منذ فترة قريبة، وكان أحد الأشخاص القلائل الذين، فعلًا، شعرت تجاههم بمشاعر حقيقية. ربما لن أسميه حبًا، ولكنني سأصفها بأنها كانت مشاعر فعلًا حقيقيةً وغامرة. شيء قد أقول إنني لم أختبره سوى مرات نادرة خلال حياتي.
كان هذا الشخص حنونًا جدًا، حقًا، ويهتم للغاية بمشاعري. يهتم حتى حين تتغير نبرتي في الحديث دون إبداء أي استياء. يعرف كيف يواسيني، بطريقة لم أجربها من قبل. يعمل مهندسًا معماريًا، مثلك، ولكنه ليس مثلك بالضبط. أنت رجل جاف قليلًا، وقاسٍ، ليس بالضرورة القسوة الشريرة، ولكن جلدك قاسٍ، ربما صقلتك الحياة أكثر مما ينبغي، أما هو، فكان رقيقًا، ليس رقة ضعف، بقدر ما أنها رقة إنسانية متغلغلة تحت جلده الجميل. آه، يا لجمال ملمس جلده، يديه تحديدًا، كان هنالك شيء غريب في يديه، إنه يستطيع أن يخرس كل صوت في عقلي بمجرد أن يضع يده فوق يدي، أما حين يمسك بصدري، ويعتصر حلمتي بين سبابته والوسطى، كنت أشعر أن روحي تغادر جسدي لتحلق في عالم أثيري مصنوع من السعادة. لم يضاجعني بشكل كامل من قبل، رغم أنني، فعلًا، كنت أريد ذلك، ولكنه كان يصر على أن ذلك غير ضروري قبل الزواج. كنت أشبه الين، ويشبه اليانج، ونوقن كلينا أننا لبعضنا البعض، وأننا جزء من شيء أكبر، شيء جميل مقدر له أن يستمر للأبد. ورغم أنني كنت أعرف أنني لست الشخص الذي يريد الاستقرار والهدوء والأسرة وهذه القباحة المجتمعية، إلا أنني أيقنت أنني لو كنت لأعيش تلك القباحة، فسأعيشها لأجل ذلك الشخص.
اتفقنا على الزواج. كان يعمل عملًا معقدًا في شركة ما، ولكن المال لم يكن مشكلة لديه إطلاقًا. اتفقنا أنه بعد عودته من رحلة عمل في مدينة في شرق آسيا، سوف نتزوج. في حفل بسيط جدًا مدعو له عدد قليل جدًا من الناس. كانت تلك هي الخطة.
ذلك شيء جميل، ماذا حدث بعد ذلك؟ رددت عليها وأنا أفكر في الشجر الجميلة جدًا الموجود على جانبي الشارع المؤدي لشارع صديقتي، وكيف أن النسيم كان يحرك ورق الشجر بطريقة جميلة جدًا، بطريقة تجعلني أفكر أن الحياة فكرة رقيقة وأننا نحطمها مرارًا وتكرارًا في محاولتنا ألا نحطمها.
هل لا زلت معي؟ همست صديقتي وهي تظنني قد مت تقريبًا.
نعم، معكِ. إنما فقط كنت أفكر في الشجر.
أي شجر؟
لا عليكِ. ما الذي حدث بعد أن سافر؟
في الحقيقة، لست أدري بالضبط التفاصيل الواضحة للذي حدث، ولكن لديّ فكرة مقبولة يمكننا البدء منها على الأقل.
Comments
Post a Comment