بدايات ونهايات.
٢٦ ديسمبر
السنة توشك على الانتهاء، ومعها يخيم على عقل الواحد منا شعور كاذب إلى حد ما بإغلاق صفحة جديدة وبداية صفحة أخرى، وذلك لأننا، البشر، مهووسون تمامًا بفكرة النهايات والبدايات، ربما لذلك نحب الصباحات الجديدة حبًا غير مبرر سوى بتلك الرغبة الإنسانية البحتة للبدء من جديد بعد أن أفسدنا العالم وموازينه في الليل. وكأن الوصول لختام ما، أي ختام كيفما كان وأينما كان، هو وسيلتنا للتغاضي عن الكوارث الشنعاء التي صنعناها، ووسيلتنا كذلك للبرهنة لأنفسنا على أنه لا زال يمكننا أن نكون بشرًا صالحين، قادرين على فعل الصواب، رغم امتلاء صفحة الماضي السابقة بشتى أنواع القباحة والخطأ.
الساعة الثانية عشر والنصف بعد منتصف الليل، وأنا أصنع كوب قهوة الآن أدرك جيدًا أنه سيسبب لي أرقًا كارثيًا، ولكنني لا أفكر كثيرًا هذه الأيام في عواقب أفعالي، إنما أخطو برعونة تجاه الضباب متمنيًا ألا يأكل قدمَيّ وحش لعين، أما إن كنت سيئ الحظ وأكل قدمَي وحش لعين، فإنني أقول لنفسي لا بأس، في الغد نحاول مجددًا، وفي الغد ينبت لي قدمان جديدتان.
لدي صبارة في شرفة المنزل، أعطاني إياها أحد أعز أصدقائي، ولم أرها منذ ستة أشهر تقريبًا لأنني لا أعود من المستشفى سوى نصف يوم تقريبًا كل أسبوع. تذكرت الصبارة منذ قليل وخرجت لرؤيتها رغم البرد الذي يشبه مخلبًا في العظام. إن رؤية الصبارة في كامل زهائها بعد عدة أشهر قد ملأ قلبي سكينةً غير مبررة، وكأن الحياة رغم كل شيء خفيفة، أو مزحة قد تكون ثقيلة الظل، ولكنها ليست أكثر من مزحة.
لا زال هنالك ستة أيام حتى انتهاء السنة، ربما أكتب كل يوم في هذه الأيام الستة واصفًا طبائع الأشياء اليومية ومكنونات نفسي المتقلقلة، وربما لا أفعل، ولكن غالبًا سأفعل. والشعور الذي يعتريني اليوم هو:
تفلُّت الأشياء من بين يدي وكأنني أمسك بالماء، ورغبة شديدة غير مفهومة لمحو ذاتي وكأنني رسمة طفل صغير غير متناسقة، وخواء هادئ يشبه ذلك الذي يأتي بعد الفقد.

تحفه❤️
ReplyDelete