الرفقة المحبة.

مايو ٢٠٢٥


يقول علي الحجار في أغنيته عارفة، والتي كتبها بهاء جاهين، أنه مش عارف ليه يشعر إنه حمامة تشرب في كفوف حبيبته، ولطالما كان تشبيه المحب بطائر صغير يحوم حول حبيبه فكرة رقيقة رقةَ الشعر بأكمله، يقولها هنا على الحجار بصوته الذي يشبه فكرة طيبة في عقل صاف في يوم طلعت عليه الشمس بخفة، يشعر أنه يمامة صغيرة، كل شيء يخيفها، ولكن عِندَ حبيبته يظلل العالم أمانٌ شديد، حتى أنه، ليس فقط يقترب منها، بل يشعر بأمان يكفي لأن يقترب ليشرب من كفوفها. 


حينما كنت أستمع للأغنية من يومين وأقود على الطريق السريعة، تذكرت مباشرةً أنني رأيت هذا المعنى في مكان آخر. يقول أمل دنقل في قصيدته الجميلة "الكمان" شيئًا مشابهًا، كلمات لطالما سحرتني منذ سنين طويلة وأنا في آخر مرحلة الثانوية ولا أدري أين ستأخذني الحياة -ولا زلت لا أدري ولكنني أتحسس الطريق-، يقول: 

"ألقى التي واعدتني

على ضفة النهر 

واقفة

وعلى كتفيها بحط اليمام الغريب

ومن راحتيها يغط الحنان".

لطالما تصورت حبيبة دنقل التي يصفها، وهي تقف صغيرة في عالم واسع، ورقيقة حتى يكاد العالم بثقله يمحو وجودها، ولكنها تحمل السكينة والطمأنينة، فتقاوم ثقل هذا العالم. تقف معطية الأمان لكل مخلوقات الرب حولها، لذلك فإن اليمام الغريب المهاجر الذي ملأته غربته خوفًا فوق خوف، حين يراها، يجد منتهى غايته، ويشعر بسكينة تدفعه للوقوف على كتفيها، دون خوف أو وجل. وفي هذا اليمام الغريب، نستطيع أن نرى دنقل ذاته، القادم من الجنوب غير ذي بأسٍ سوى كلماته وشِعره، ومثله مثل كل مخلوقات الرب، يرى حبيبته، فيشعر بالسكينة التي تدفعه أيضًا أن يسلِّم نفسه لكتفيها دون خوف أو وجل.


الحياة تكسر الجميع وأنت سوف تنكسر مرة واثنتين وعشرة ومئة وألفًا، هذه حقائق محضة، ولكنك حين تنكسر، لو ربت على كتفيك أحد بصدق شديد وبمحبة خالصة، فسوف تلتئم كسورك، المسألة ليست متى أو كيف أو أين ستكسرك الحياة، ولكن من سوف يرعى معك تلك الكسور، أو ببساطة وكما يقولون منذ القدم: الرفيقُ قبل الطريق.


يسأل عنترة: هل غادر الشعراء من متردم؟ وكأنه يدلي تصريحًا بأن كل ما قد يُقال قد قيل وانتهت الحكاية، ولكنه ورغم ذلك، قد ينحو الناس نفس الناحية ونفس المعنى، ولكن يظل قلبك يفتتن بكل منهما على حدى، وكأن تكرار المعنى الرقيق لا يرككه ولا يملِّلُ سامعه، بل يزيده رقة فوق الرقة، وكأنك يمامة تقف بين يدي شخص تحبه.

Comments

Popular Posts