عن الشاورما وجدوى الحياة.

 تقول مريم حمدين في ليلة شتوية غير مميزة أنها تشتهي ساندوتش شاورما رديء الجودة مثل ذلك الذي اعتادت تناوله في السكن الجامعي، حينما كانت تأكله، وتتساءل عن جدوى الحياة بصفة عام وجدوى وجودها فها بشكل خاص، وفي الحقيقة الأمر لافت جدا، كيف أنك يمكن أن تشتاق لأيام سابقة، أيام غير مميزة تماما، بل وكانت تنتابك أزمة وجودية فيها، ولكنك رغم ذلك تحن إليها.


ما تفعله عقولنا بالماضي أنها تقوم "بفلترته" من المعاناة والقلق والتوتر وكل شيء آخر، تاركة لنا الذكريات حلوة وخصبة بل ومعلوم نهايتها، ويا حبذا لو كانت نهاية جيدة، فتجد أنك تستمتع بتذكر تلك اللحظة المجنونة التي كان القلق والإرهاق سيقضيان عليك مثلا، لأنك تعلم أنك بعدها تجاوزت ذلك، ولأنك تعلم أنك لم تعد هناك.

في أحدى الامتحانات ذهبت لأستعد مع الرفاق قبل الامتحان بيومين، وكان لدينا يومان للمراجعة لذلك الامتحان العملي، ما حدث أننا ضيعنا أول يوم في اللا شيء تماما، بل وقررنا في التاسعة أن نخرج قليلا، أخذنا السيارة وانطلقنا لإحدى المقاهي واندمجنا في أحاديث عشوائية استمرت للثالثة صباحا، بعدها عرجنا أثناء الرجوع على إحدى المحلات التي تصنع الفلافل والشاورما، وقررنا أن هذا هو الوقت المناسب لتناول العشاء، فاشترينا كل ما تبقى لديهم تقريبا، ثم عدنا للمنزل صلينا ونمنا محاولين ألا نتذكر ما ينتظرنا في الغد. ما حدث أنه في الغد لم نبدأ سوى بعد الثالثة عصرا ، بدأنا مجتمعين ومن ثم انهارت المعنويات بعد ساعة وبدأ الذعر يشتت شملنا، وما بين هذا وذاك أصبحت الساعة التاسعة مساء ونحن نحاول ألا ننهار أكثر من محاولة المذاكرة ذاتها. بدأنا نلملم الأشياء قليلا ولكن بمعدل يدعو للقلق بالطبع، حتى صارت الساعة الخامسة صباحا ونحن ما زلنا نحاول والامتحان على بعد ثلاث ساعات تقريبا. هذه الليلة كنا نبكي ونحن نمسك الكتب بالمعنى الحرفي للكلمة، لأن هذا الامتحان امتحان عملي وشفوي فأنت لا تخسر الدرجات فقط بل تخسر كرامتك أيضا حينما تكون غير مستعد.
في النهاية ذهبنا للامتحان ومر بسلام وأجبنا بشكل مثالي أو قريب من ذلك.

أسرد هذه القصة كلها، والتي لم يكن عندي أدنى نية للحديث عنها قبل أن أجلس على اللابتوب وأبدأ الكتابة، للوصول فقط لنقطة أن الليلة التي خرجنا فيها بالسيارة وذهبنا للقهوة وتناولنا الشاورما في النهاية، هي أحد أفضل ليالي حياتي، أتذكرها من وقت لآخر بمنتهى الحميمية، وذلك لأنها انتهت، قام عقلي "بفلترة" القلق منها والخوف الساحق الذي كنا نعانيه، وصارت الآن ذكرى لعمل مجنون قمنا به ونحن لا نعلم تماما ماذا سيحمل لنا الغد، فعلناها وفقط، منخرطين في رعونة الشباب التي تخلق السحر، السحر الذي تشعر به حين تخالف ما ينبغي فعله حتى ولو كنت تعلم كم سيكلفك ذلك. ربما هذا الجنون/ الشجاعة هو ما يجعل ذكرى هذه الليلة مميزة في عقلي. أسترجعها الآن بمحبة، وحميمية، وثقة في أن الحياة تستطيع إهداء الواحد منا لمحة من السحر المسروق في خضم الذعر والقلق، لو هو امتلك الشجاعة الحقيقية لطلب هذا السحر.

لا بد أن حمدين حينما كانت تتناول ساندوتشات الشاورما الرديئة كانت تعاني من الصداع والأرق وحب الشباب الناتج عن القلق والخيبة من التجربة كلها والمذاكرة االمتراكمة والمسئوليات المنتظرة والعلاقات المحطمة، ولكنها حين تسترجع تلك اللحظات الآن، لا تسترجع سوى حمدين الحرة الشجاعة التي كانت تتناول شورما رديئة وتفكر في جدوى الوجود في منتصف الليل كفيلسوف إنجليزي في القرن التاسع عشر، لا يأبه لشيء ولا يوقفه شيء.

بقدر ما أن ذلك شيء خلاب أن تسترجع الأشياء مستمتعا بجودتها الناتجة عن مرور الزمن عليها، ومستمتعا بكونها قد انتهت وتعلم نهايتها الآن كفيلم شاهدته من قبل وتعلم أن البطل ينجو رغم المأزق الحالي، إلا أن خطورة هذه الظاهرة أنها تجذبك للخلف دوما وتجعلك تنسى الحاضر وتشتاق لأيام كان لها معناتها الخاصة أيضا ولم تكن نعيما تاما، وإنما هو الزمن فقط يمضي عليها فيحليها وينزع مرارتها من عقلك.


لا ينبغي أن ننسى العيش في الحاضر يا رفاق، ولا ينبغي أن ننسى أن السحر، السحر الحقيقي، قد يكمن في ساندوتش شاورما رديء في السكن الجامعي، أو في قيادة السيارة ليلا قبل امتحان مهم.

Comments

Popular Posts