السرعة التي يقطع بها كوب شاي المسافة بين سطح المكتب وحافة فمك.

أنت مُرهَقٌ تماماً. أنا أعرف ذلك. تتخيل، في قرارة نفسك، أن المسافة التي يقطعها كوب الشاي، من سطح المكتب، حتى حافة فمك، هي مسافةٌ كبيرة، كبيرةٌ للغاية. كبيرة مثل المسافة بينك وبين من تحب. أو، على سبيل المثال، بين عقلك، وبين بعض السلام. أو بين الأرض والسماء دون فلسفةٍ فارغة.

ولأن كل شيءٍ ممل، مثل شخصك تماماً، ومثل الموجودات من حولك، فإنك، بعدما ترتشف من الشاي رشفة، تجد أن أمامك نفس المسافة الهائلة من جديد، لتعيده من حافة فمك، إلى سطح المكتب مرةً أخرى.

الإرهاق له فنٌّ خاص في رسم تفاصيل العالم. ولكن هذا لا يهم الآن، فما زالت هنالك بعض الأشياء الجميلة الموجودة رغم ذلك. ورغم قلتها.

هنالك ضوء الشمس الذهبي، الذي يسقط على وريقات الشجر في وقت العصر، فيخلق مزيجًا من الأخضر والذهبي، هو أكثر الأمزجة فرادةً وأصالةً على الإطلاق. أنظر له، فأشعر بالسلام، وكأنني محاربٌ، وضع رأسه على كتف من يحب لوهلةٍ مسروقةٍ من نسيج الزمان المحير. ربما أعود للحرب بعدها مرةً أخرى، بالطبع سأعود -فماذا أفعل غير ذلك؟-، ولكنني على الأقل، أكون قد اختبرت لحظة سلامٍ، مخترقةً كل السوء المحيط بأشخاصنا المرهقة.

أتذكر الآن العزيز أمل دنقل، وأفكر، كم هذا مؤسف. لقد أصبحت أنا الشيوخ. أحدهم أو كلهم، لا فرق. الشيوخ التي تقف ضد سيفي وتعيق همتي وتدعوني للرضوخ والتصالح، رغم نصحك لي بألّا أصالح. وهذه مفاجأةٌ سيئة ومحبطة للغاية، وتحوُّلٌ غير متوقع من الأحداث. فلا بد أن الجنوبي، حينما صاغ الأمر على هكذا شاكلة، فكر أنك بعقلك وبهمتك، ستُجابه الشيوخ، وستصمد في وجه تثبيطهم. أما أن، تتحول أنت لذلك، فلا بد أن ذلك لم يخطر له على بال. يا إلهي، يقف المرء ضد نفسه، يخوض خلاف الحرب بالخارج، معركةً ضاريةِ بالداخل طرفاها هو، وما أسوأ أن أقول ذلك. ولكنه، يهزمُ المرءَ عقلُه في النهاية.

أعود لقصيدة أمل مرةً أخرى، وأنهال عليها آسفًا بشكوك نفسي المريبة للغاية. الشكوك حول أحقية أن أصير فارسًا. الشكوك في احتمالية تحولي لمسخٍ من المسوخ. ربما لست فارسًا، لا ضير في الاعتراف بذلك، ولكنني أحارب بكل نية طيبة صافية -كبحيرة عذراء صغيرة- بداخلي لم يمسسها عقلي بعد، لكي لا أتحول لأحد المسوخ في النهاية.

أتخيل أنه في ليل هذه المدينة، الممل للغاية، الخالي من النجوم، تخرج العفاريتُ ليلًا لتُلقيَ بالحمقى في البحيرات الصغيرة، البحيرات التي لا تكفي لإغراقهم، ولكنها تفعل، فقط لأنهم يتوهمون ذلك. هذا مصير سخيف للغاية، أن تغرق لأنك اقتنعت بحتمية هذا فقط، أن تخفق في النجاة، لأنك لم تقتنع كفايةً بوجود احتمالات لها.
كم هو سخيفٌ ومملٌ ومهينٌ ومؤذٍ وسيءٌ ومؤسفٌ أن تسقط من على الجبل بمحض إرادتكَ فقط لأنك لم تفكر بإمكانية التحليق.

Comments

Popular Posts